
يهتمّ هذا الكتاب بوثيقةٍ كان من المفروض أن تحتفيَ بها السرديّاتُ الإسلاميّة لأنّها جزءٌ من تاريخ الإسلام في المدينة، وهي “صحيفةُ المدينة” أو “كتابُ يثرب”. وموضوعُها معاهدةٌ عُقدت بين المجموعات الدينيّة والقبليّة في يثرب –إبّان الهجرة- بهدف إقرارِ السّلم داخليّا، والتعاونِ على دفْع الاعتداءات الخارجيّة. لكنّ المؤرّخين والمحَدِّثين لم يعتنوا بخبرها ولم يثبتوا نصّها رغمَ إقرارِهم بصحّتها. فلم يتجاوز تعاملُهم معها إحدى طريقتَيْن: إمّا إهمالُها والسكوت عنها، أو إخضاعها لتحويرات مختلفة الغايةُ منها تطويعُها لمقتضيات المنظومة التي استقرّت لاحقا. ويُفهم هذا التهميش بالنظر إلى الدلالات العقديّة والتنظيميّة التي تفيدها هذه الوثيقة والتي لم تعُد تتماشى مع السائد: من قبيل أنّ مفهوم الإيمان مرِنٌ وموسّعٌ بكيفيّة تختلف كثيرا عمّا سيُقِرّه لاحقا إسلامُ الفقهاء والمتكلّمين؛ ومن قبيل أنّ دعوةَ الإسلام منفتحة على العقائد التوحيديّة وعلى التعاون مع أتباعها، خلافًا لتحوّل هذه الدعوة –على أيدي المؤسّسة- إلى حركةٍ تفرض على الجميع عقيدةً واحدةً وتأويلًا واحدًا؛ ثمّ من قبيل أنّ غايةَ الرسول من الهجرة إلى يثرب ما كانت تكوينَ “مُلكٍ” أو مشروعٍ سياسيّ، بل كانت التحالفَ مع القبائل اليثربيّة لنشر التوحيد، مع ما يعنيه التحالف من اشتراكٍ في اتّخاذ القرار.
